مقدمة

تخاريف دماغ مش متربية ...

Tuesday, March 22, 2011

عن النظرية السياسية و أنظمة الحكم....وعلاقتها بالاسلام؟

"عندما يأخذ الاسلاميون الفرصة ليفهموا قيم الحداثة الغربية مثل الديموقراطية وحقوق الانسان، سيعملون على ايجاد مكان لها في القيم الاسلامية لأنها في الأصل موجودة،وإن كان بعضها ليس موجودا فسيغرسونها ويرعونها مثلما فعل الغربيون من قبل، عندما غرسوا هذه القيم في أرض أقل خصوبة"

  راشدالغنوشي مؤسس حركة النهضة الاسلامية التونسية والمفكر الاصلاحي التونسي الكبير

رأيت أن أفضل بداية لهذه المدونة أن أبدأها بهذا الحديث عن جوهر وتطور الانظمة السياسية وهو العلم الذي يهتم بدراسة و تصنيف أشكال الدول وأنظمتها  فمنها ما هو استبدادي ديكتاتوري ومنها ما هو ثيوقراطي و أوتوقراطي وديمقراطي وغيرها من المسميات التي لا يعنينا الآن معناها قدر ما يهمني أن أتحدث عن جوهرالنظرية وعلاقة الدين بالسياسة وما يسميه البعض "استيراد الانظمة السياسية من الغرب".

اذا تأملنا قليلا في حقيقة تاريخية بسيطة تقول "الاسلام أصغر عمرا من المسيحية ب600 عام" ، واذا كان لهذا دلالة ما، فهي أن أوروبا المسيحية منذ 600 عام كانت في عصورها الوسطى الظلامية ، عهد سيطرة الكنيسة على العقل و صكوك الغفران ومحاكم التفتيش وقتل الابداع واتهام مخالفي الكنيسة بالهرطقة وما جاليليو ببعيد عن أذهاننا...،

 ولهذا فقد بدأت جهود أوروبا المسيحية في تطوير مسألة الدولة قبل فترة كبيرة من منطقة الشرق الاسلامي وما الديموقراطية وتطبيقاتها الا جهود مشتركة بين الجنس البشري لمحاربة الطغاة والاستبداد في أي زمان، وهي نوع مما أسماه د . معتز عبد الفتاح "قهر القهر" أي وضع قيود "قانونية ودستورية" على صانع القرار بغض النظر عن دينه و نوعه..ومن هذا المنظور وهذا المنطلق يجب أن ننظر للديموقراطية وتطبيقاتها، على أنها جهد بشري وخلاصة تطور محاربة القمع والطغيان في الحكم بشكل عام والكنسي في عصور اوروبا الوسطى بشكل خاص..

قد يسأل سائل..وهل خلا التاريخ الاسلامي من تجارب مماثلة؟ وأين اسهامات المسلمين في تطوير نظم حكم وآليات دولة حديثه تتناسب مع النموذج المعرفي الاسلامي ومبادئ الحاكمية والشريعة؟..وهو سؤال مفصلي تقوم على اجابته هيكل هذه المدونة بشكل عام وقلب هذه التدوينة بشكل خاص..
يعود  إخفاق المسلمين في هذا المجال بالأساس الى فترة الحكم العثماني ثم الاستعمار الاوروبي لمعظم المجتمعات المسلمة، فقد شهد الغرب انطلاقته الكبرى نحو حكم القانون والديموقراطية الليبرالية في نهايات القرن السادس عشر وصولا الى استقرار القيم والمفاهيم الحاكمة لهذه النظريات بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي كانت فيها المنطقة الاسلامية كلها ترزخ تحت وطأة أصفاد الاستعمار  مما أدى لتشويه وتأخير التطور الطبيعي لآليات الحكم فيها،ولذا فإن الطريقة السليمة لتصحيح هذا التأخر التاريخي  هي محاولة اللحاق وتعلم ما كان على المسلمين أن يخترعوه ويطوروه لو لم تحدث هذه الظروف التاريخية التي أدت لأسبقية الغرب في هذا التطور الفكري في آليات الحكم ضد الاستبداد..

ولا نقول هنا أنه ينبغي علينا استيراد النموذج الديموقراطي الغربي بشكل كامل ودون تمحيص لعالمنا الاسلامي، ولكني أزعم منذ البداية أن عقيدة الاسلام وأفكار فلاسفة ومفكرين اسلاميين كبار قد ساهمت بشكل كبير في تشكيل فكرة وقيم الديموقراطية، وقد قام المسلمون بإسهامات هامة للغاية في فلسفة الديموقراطية بالتأكيد على قيم الوحدة واحترام النظام والمساواة والتعايش السلمي والغاء العبودية، فهذه القيم التي تشكل أساس القيم الديموقراطية موجودة بالأساس في شريعتنا الاسلامية!..

ولهذا فإني أزعم ان تفهم قيم الديموقراطية بعمق والنظر لهذه الجهود على انها مجهود بشري طوره أناس رزخوا تحت سيطرة كهنوت الاستبداد الكنسي لقرون ومحاولة "أسلمة الديموقراطية" كما اسميها والتفاعل معها ودمج قيمها المتوافقة مع ديننا الحنيف هي سبيلنا الحقيقي لتطوير آليات حكم رشيدة متوافقة مع ايقاع العصر الحديث وتعقيده، ومنسجمة تماما مع العقيدة الاسلامية والشريعة ...

وقد بدأ العديد من المفكرين المسلمين مشوار تطوير و"أسلمة الديموقراطية"، فقد كانت اسهامات الشيخ القرضاوي في كتابه "في فقه الدولة المسلمة" جواز السفر للنخب الاسلامية للتعامل مع الديموقراطية على انها اسلامية وأعطى مبررات عديدة للتعامل مع فكرة التصويت والمشاركة في الانتخابات والتنافس الحزبي .


كما كانت جهود العراب الكبير المستشار طارق البشري بارزة في تبني صيغ مدنية للعلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع المسلم وتجاوز الصيغ التقليدية لاشكاليات "أهل الذمة" و "ولاية غير المسلم على المسلم" على اعتبار ان القضية الأخيرة لم تعد محل اعتبار في مجتمعات حديثه تقوم على المؤسسات وأسس لفكرة "ولاية المؤسسة وليس ولاية الفرد".

كما كان لد. سليم العوا وراشد الغنوشي وحسن الترابي وغيرهم من المفكرين المستنيرين اسهاما كبيرا في الدعوة لسلطة الشعب بشرط ألا يقرر ما يتعارض صراحة مع ما هو قطعي الدلالة والثبوت من القرآن و السنة..

وكلها محاولات لاجتياز الفاصل التاريخي الذي سبق الاشارة اليه وأيضا ملء الفراغ في غياب تشريع سياسي قرآني مفصل،فقد قدم النص القرآني مدنة تفصيلية من التشريعات تشمل معظم مناحي الحياة الاجتماعية كالبيوع والتجارة و غيرها ولكنه اكتفى في المسألة السياسية بمبادئ عامة كمبدأ الشورى (ولم يوضح النص من تشملهم الشورى) وغيرها..

وأختم هذه التدوينة بالقول أن السبيل لنظام "إسلامي" في حكم الدولة لا يتعارض مع الشريعة ويمنع كافة أشكال الاستبداد يبدأ من "أسلمة الديموقراطية" والتفاعل الثقافي معها والنظر لتراث النظرية السياسية كمجهود بشري تم في سياق معين يجب أن نستفيد منه وألا ننظر اليه على انه "قيم مستوردة من الغرب الفاسق" ...

والى اللقاء في تدوينة أخرى...

8 comments:

  1. كتبت رد طويل و اتمسح! الملخص:
    متفق معاك/ الاسلام غايته تحقيق العدل في الأرض من غير ما يحدد طريق معين / الناس خايفة لأنها غافلة عن قابلية التراث الاسلامي العربي للتأثير في مسار الديموقراطية

    ReplyDelete
  2. ما اراه ان تعقيدات الحياة الحديثة..وما نتج عنها

    من تنامى المجتمعات وتنوعها وحتمية تفاعل المسلمين

    مع ماحولهم من تغيرات ..كلها اسباب تدفع فى

    اتجاه تجاوز الافكار التقليدية التى قد تتسبب فى

    حدوث التصادم خاصة وان الشريعة

    الاسلامية فى جوهرها تحمل القيم الانسانية التى

    تنادى بها الديمقراطية من حق اختيار الحاكم و مبدأ الشورى والانتماءات الحزبية...

    ReplyDelete
  3. اضيف الى ما سبق..القول ان غياب التشريع

    السياسى القرآنى انما هو اشارة الى وجود

    ما يمكن للاجتهاد البشرى اضافته او اختياره فى اطار

    ما يستجد على الساحة السياسية العالمية البشريةمن

    انتاج فكري تتطلبه الظروف

    ReplyDelete
  4. أنا متفق معاك على معظم الكلام وعاجبني أسلوب العرض بس عندي ملحوظة وإضافة

    الملحوظة هي الانطلاق من الشريعة ومحاولة "تأييف" كل المستجدات على مقاس الشريعة الإسلامية ودي الملاحظة اللي باشوفها في كتابات ناس كتير من ضمنهم د. معتز اللي باقدره وباحترمه جدا. لكن مشكلتي مع الطريقة دي إنها في بعض الأوقات بتدخل الدين الإسلامي في مقارنة مع أيدولوجيات وده مش صح لأن مبادئ الدين الإسلامي هي مبادئ إنسانية عامة غير مؤدلجة


    الإضافة بقى هي إن الديمقراطية مش مبدأ إنما هي أداة ووسيلة. المبدأ هو الشورى أو رأي الجماعة أو رأي الأغلبية إنما الديمقراطية بشكلها النيابي ده هي مجرد وسيلة وأنا شايفها مناسبة جدا للعصر ده مع بعض التظبيط
    أما الليبرالية فهي أيدولوجية وأنا مش موافق على تفاصيلها تماما لأنها بتعتمد على الانطلاق من الفرد كوحدة للمجتمع فبتلاقي حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الشواذ وحقوق الأقباط وحقوق السلفيين وحقوق ....... وحقوق..... وكا دي بتبقى حقوق غير مؤطرة فبتوصل لحالات من التعسف في استخدام الحق بتهدم المجتمع نفسه
    أما لو أخدنا من الليبرالية مبدأها العام اللي هو حماية الأقلية فأنا موافق

    ReplyDelete
  5. أولا شكرا على تعليقك
       خلي بالك في نقطه هامة، انا مش منطلق من الشريعة وده مش هدفي اطلافا ويمكن هتلاقي ده اوضح في التدوينة نية، انا هدفي الرئيس تبيان ان هذه الافكار لا تتعارض مع الاطار الاسلامي الواسع،
     ا ممكن جدا اتكلم عن الافكار دي يتجرد كأفكار مطلقة، لكن انا مش شايف ان ده هيمثل اضافة كبيره مني..
    الازمة الي بنواجهها في العالم العربي هنا هو ما ذكرته غياب للتفاعل الضروري بين قيم الديموقراطية وحضارتنالاسلامية، وفيه رفض من البعض خاصة من يطلق عليهم اسم الاسلاميين للعديد من المصطلحات لمجرد انها الفاظ اجنبية اردت طرحه واضافته هنا ان التفاعل مع هذه الحضارات وهذا التراث الانساني في حد ذاته ليس خطأ، 
    أخذ منه ما نريد ولنترك مالا يتلائم مع تراثنا وفكرنا،فهي مش محاولة تأييف هي محاولة  أسلمة  كما تسمى 
    وكما اطلق عليها ايضا د. معتز وانا بشوف انها مهمة 
    ومطلوبة جدا ودي الاضافة

    لكني لم ادخل الشريعة في اي مقارنات ولكن كل ما قلته ما قلته انت ان الدين الاسلامي مبادئه مبادئ انسانية ممكن جدا تجد مبادئ انسانية متوافقة معاها في حضارات تانية وده برضه الي حاولت ابينه..
    بساطه الهدف من هذه التدوينة وما سيليها باذن الله هي محاولة وضع الاطار النظري لديموقراطية رشيده متوافقة وقائمة على مبادئ نموذجنا الاسلامي المعرفي واساسيات الشريعة المتفق عليها وهذا ما اظنه اضافة، اما اذا 
    اردت القراة المجردة عن قيم الديموقراطية فعندك مصادر كتير ممكن اقولك عليها لو حابب : )
    نسبة للاضافة بأه..انا متفق معاك تماما، الديموقرا ما هي الا وسيلة لمنع استبداد الحاكم قائمة على مجموعة مبادئ منها الشورى كما ذكرت..
    خلي بالك انت قلت  مع التظبيط ..
    ما هو ده الي بقوله  :)...
    :ة تعليقك فاقرأ تدوينتي الثانية وستجيب عن سؤالك  )

    ReplyDelete
  6. هي محاولة "الأسلمة" دي هي "التأييف" اللي باتكلم عليه
    :)

    وأنا مش قصدي القراءة المجردة عن الديمقراطية أو الليبرالية لأن المفاهيم دي وهي مجردة وهي في ذاتها منطلق ومقصد فهي مش بتراعي الإنسانية إنما اللي أقصده الانطلاق من المنطلق الإنساني و"أنسنة" كل المفاهيم

    ReplyDelete
  7. Well, thi is not the problem we have here, and i dont think in arab world this is what we have to deal with, i'm here addressing a specific problem in our islamic countires that is islam vs. western culture

    got it ?

    ReplyDelete
  8. وبعدين مانت اتكلمت عن التظبيط اشمعني دي  :D

    الهدف وضع هذه الافكار في اطار اسلامي مقبول في المجتمعات الاسلامية بس..هي دي الفكره، لان ده الي هيخلي المجتمع ده وعوامه وجزء كبير من مثقفيه يقبل ه ذه الافكار

    ReplyDelete